Home » قصة حياة “المثلية”

قصة حياة “المثلية”

توجه سماحة الشيخ قيس الخزعلي، أمين عام عصائب أهل الحق بعمامته البيضاء وعباءته السوداء نحو المنصة فحياه وجهاء محافظة البصرة جنوبي العراق وحشد غفير من المواطنين في عام 2017 ليلقي خطبة بمناسبة رفع رايات شهر محرم وأحياء ذكرى استشهاد الحسين لدى أتباع المذهب الشيعي. كانت خطبته عادية ومتوقعة حتى نطق الجملة التالية “أعداء الإمام الحسين (ع) رفعوا راية المثليين في أربيل تلبية لإرادة إسرائيلية”. لو تذكرنا أن الشيخ الخزعلي كان قد نظم عددا من حملات التصفية بحق ممارسي الجنس مع ذات الجنس في العراق على مر السنوات منذ 2003، وأصدر أتباعه قوائم الموت التي تحتوي على أسماء من سيقتلونهم بتهمة “الشذوذ”، سيكون من الصعب علينا أن نصدق آذاننا فيما قاله للتو، هل قال “مثليين” حقا؟ والمبهر أن الخزعلي لم يكن آخر من استخدم هذه الكلمة بهذا السياق.

يبدو تخلي الخزعلي عن المصطلح الفقهي الشرعي وهو “اللواط”، أوالمصطلح الشائع في المجتمع وهو “الشذوذ الجنسي”، غريبا.  يعد استخدامه في خطابه المعادي لممارسي الجنس مع ذات الجنس مصطلح “المثلية الجنسية”، “إيجابيا” في بعض دوائر النشطاء/ات الحقوقيين/ات. بالتأكيد لا أحاول القول بأن مصطلح “شذوذ” يجب أن يؤخذ على أنه مصطلح خالي من الوصمة، أو أن يصف المجتمع به من يمارسون الجنس مع ذات الجنس، إلا إذا أستصلحه أولئك الأفراد بأنفسهم، ولكن في هذا المقال أحاول تتبع حدث ولادة مصطلح “المثلية” في اللغة العربية، ومن اختاره ليكون المصطلح الرسمي للأشخاص الممارسين للجنس مع ذات الجنس؟ وما إذا كان هذا الاستبدال نابع من رغبة الأفراد الممارسين/ات للجنس مع ذات الجنس أنفسهم/هن أم مفروض عليهم؟ وكيف تم استبدال مصطلح “شذوذ جنسي” الأكثر شيوعا به مع الوقت؟ وما إذا كان هذا البديل خالي من الوصمة فعلا كما تصوره الجمعيات المثلية في المجتمعات الناطقة بالعربية؟

سيد قطب الوالد الشرعي للمثلية:

بحسب ما لدينا من مصادر فأن أول من استخدم كلمة “مثلية” في الإشارة للأشخاص الممارسين للجنس مع ذات الجنس كان سيد قطب (1903-1966) في كتابه النقد الأدبي أصوله ومناهجه الذي صدرت طبعته الأولى في 1965. في أثناء حديثه عن دراسة أجراها عالم النفس التحليلي سيجموند فرويد عن شهوات الرسام الإيطالي الشهير ليوناردو دافنشي، كتب “أن الحياة الجنسية لليوناردو تعطلت إلى حد بعيد (ومن العسير علينا أن نعثر على اسم امرأة أحبها ليوناردو) مما أدى إلى انحرافه ناحية الجنسية المثلية”. لم تكن دراسة فرويد هذه قد ترجمت للعربية بعد، وحتى لو كان ذلك، فهو لا يغير  من أن سيد قطب كان أحد أول مستخدمي  كلمة “مثلية” في اللغة العربية كترجمة لـ Homosexuality  الإنجليزية. فمن هو قطب؟

كان سيد قطب أديبا ومفكرا وشاعرا مصريا مهما، كان أول من اكتشف نجيب محفوظ (الذي حاز على جائزة نوبل في الأدب فيما بعد) وكتب عنه في مجلة الرسالة في الأربعينيات، وكان العضو المدني (غير العسكري وغير الرسمي) الوحيد في مجلس قيادة الثورة الذي تولى حكم مصر بعد “ثورة” 1952 وكان مقربا من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ثم لتنقلب هذه العلاقة رأسا على عقب، ويتم إعدامه في 1966 بتهمة محاولة الانقلاب على الحكم والتخطيط لاغتيال عبد الناصر وإثارة الفتنة والانتماء لتنظيم الإخوان المسلمين.

سافر للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال منحة وزارة المعارف المصرية لدراسة التربية وأصول المناهج عام 1948، وكتب عن تجربته في الولايات المتحدة وعن مجتمعها، ومن بين ما تعلمه هناك على ما يبدو كان عداء المثلية، فقد كانت تلك الفترة من أصعب الفترات على المثليين في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان يطرد آلاف المثليين من الوظائف الحكومية والعسكرية والمدنية كجزء من حركة القضاء على الشيوعية هناك، مع حملة إعلامية تصور المثليين كخونة وعملاء للشيوعية. ويبدو أن قطب قد تشرب وقتها أفكار الخطاب الأمريكي حيث كتب “وجد الذين يبيعون أسرار أمريكا وبريطانيا العسكرية لأعدائهم، لا لأنهم بحاجة إلى المال، ولكن لأن بهم شذوذا جنسيا، ناشئا من آثار الفوضى الجنسية السائدة في المجتمع”. وهنا يتضح بأن قطب كان يؤمن بأن المثلية الجنسية هي شذوذ جنسي بالفعل، ولم يكن ينوي ابتكار تسمية “مثلية” لتكون بديلا إيجابيا لكلمة “شذوذ” التي تم اعتبارها كلمة سلبية تحمل وصمة وبأن الكلمة التي سكها قطب للتو تمثل البديل المحايد لها فيما بعد.

اختراع ثنائية مثلي (الإيجابية) مقابل شاذ (السلبية):

قدم الأكاديمي اللبناني-الأمريكي أسعد أبو خليل في مقاله المنشور باللغة الإنجليزية عام 1992 تحت عنوان “إيديولوجية عربية جديدة؟ بعث القومية العربية”، استخدام الصحافة العربية لمصطلح “الشذوذ الجنسي” كدليله الوحيد على أن ” homosexuals” أقلية مضطهدة في العالم العربي، على الرغم من أن كلمة “شذوذ” في اللغة العربية تعني الندرة والتفرد بحسب لسان العرب، ومن هذا نفهم بأن مصطلح “مثلية” لم يكن مستخدما حينها على الإطلاق.

أما في عام 1996، ثار غضب رمزي زخريا الفلسطيني-الأمريكي مؤسس منظمة جلاس بسبب استخدام مصطلح “شذوذ” في جريدة الحياة العربية الصادرة من لندن، وقام بمراسلة رئيس التحرير قائلا أن كلمة “شاذ تهينني كعربي يميل لعشق إناس من جنسه، كما تهين الملايين من أمثالي”.  رد رئيس التحرير بأنه لم يقصد إهانة أحد لكن القراء لا يعرفون البديل المقترح، أي “مثلية” بعد، وهذا لا يعني مجهولية المصطلح لدى رئيس التحرير وقراء الجريدة فحسب بل كذلك بأن “شذوذ” كان مستخدما في كل من النصوص المعادية والمؤيدة للممارسات بين أفراد من نفس الجنس لعدم وجود مصطلح غيره.

وقال الكاتب والمستشرق براين ويتاكر غير الناطق بالعربية في كتابه “الحب المسكوت عنه” المنشور عام 2006 أن “الإعلام العربي يستخدم كلمة “شاذ” المتحاملة بشدة للحديث عن “gay” و “homosexual” وعلى الرغم من ذلك فأن بعض الجرائد الجدية تقبلت مصطلح “مثلي” كبديل محايد”، وهنا بدأت ملامح الثنائية تتشكل.

لقد تسللت هذه الثنائية ببطئ حتى تغلغلت في عمل الجمعيات المثلية وصارت محورا لأساليب المناصرة لديهمم. فمنذ ظهور الجمعيات المثلية في البلاد الناطقة باللغة العربية بداية في فلسطين المحتلة سنة 1948، وتأسيس جمعية القوس للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني في 2001 وأصوات نساء فلسطينيات مثليات في 2003 وحلم والتي هي اختصار لـ(حماية لبنانية للمثليين) في 2004 تم اختيار كلمة “مثلية” لتكون الكلمة المستخدمة رسميا وغير الموصومة للإشارة لمن يمارس الجنس مع ذات الجنس. وبالمقابل اعتبار هذه الجمعيات وغيرها من الجمعيات التي سيتم تأسيسها في المستقبل لكلمة “شذوذ” على أنها كلمة سلبية موصومة لا يمكن استخدامها.

في أحد كتيبات جمعية “أصوات نساء فلسطينيات مثليات” التوعوية الذي كتبته مركزة المعلومات والمنشورات ريما حوا تحت عنوان “اللغة والهوية”، نجد نصا يصف سعي هذه الجمعيات إلى إدخال كلمة مثلية إلى قاموس اللغة العربية حيث يذكر النص “إحدى التغيرات الجذرية التي نراها اليوم، دخول كلمة “مثلي ومثلية ومثليين ومغايرين” إلى قاموس اللغة العربية. هذه الكلمة تعتبر إيجابية ومحايدة. ونحن، كأفراد وكجمعيات مثلية وجمعيات تعني بحقوق إنسان وحقوق أقليات وحقوق مرأة، علينا واجب مرافعة هذه الكلمة وإدخالها أكثر إلى الحيز العام للاستخدام والأدب، أكاديميا وإعلاميا”. وبالفعل هذا التحريض على إدخال كلمة مثلية إلى قواميس اللغة العربية واستخدامها قد لاقى تطبيقا من قبل الجمعيات المثلية الناطقة بالعربية التي استمرت بالظهور في السنوات التالية.

فعلى سبيل المثال في 2016 صدر دليل مقدمي الخدمات حول الميول الجنسية وهوية النوع الاجتماعي عن المؤسسة العربية للحريات والمساواة وكانت من بين التوصيات الموجهة لمقدمي الخدمات، “الأهم أن نستخدم العبارات والكلمات التي لا تقلل من شأن المستفيد/ة من الخدمة. فاستخدام كلمة شاذ أو منحرف أو أي تعبير يحمل سلبية، عندما نريد أن نصف أو نتكلم مع شخص مثلي/ة”، فمع مرور السنوات أصبحت هذه الثنائية جزء من عمل وتوصيات الجمعيات، ليس فقط للصحافة الناطقة بالعربية بل وكذلك لمقدمي الخدمات الاجتماعية.

في 2017 أصدرت Out Right  تقرير رصد وسائل الإعلام العربية الذي أعدته صحفية بحرينية اسمها نزيهة سعيد، والتي اعتمدت على جمعية موجودين المثلية في تونس وجمعية رينبو إيجبت المثلية من مصر ومنصة ماي كالي من الأردن وناشطين من الكويت كمراجع لتقريرها، بعد تقسيم المصطلحات المستخدمة في الإعلام إلى قسمين الأول “مهني”، والثاني “غير المهنية وغير الدقيقة”. بالتأكيد سنجد في القسم الأول مصطلح “مثلية جنسية” أما في القسم الثاني سنجد “شذوذ جنسي” وورد تعريفه في التقرير على أنه تسمية “حاطة للكرامة ومهينة تستخدم في الكثير من البلدان الناطقة بالعربية”، على الرغم من ذلك يعود التقرير لذكر أن استخدام كل من المصطلحين يأتي بشكل متبادل في الكثير من الأحيان “فمثلا يستخدم الصحفي كلمة “شذوذ” في العنوان فيما يستخدم “مثلي الجنس” في نص الخبر أو التقرير”، لأن مصطلح “مثلية” غير مألوف أو مفهوم للقراء، وهذا دليل أخر على أنه غير مرتبط بطبيعة الخطاب نفسه في هذه الحالات على الأقل أي أن بعض المدافعين عن المثلية استخدموا كلمة “شذوذ” والعكس صحيح.

وفي ذات السنة 2017 أصدرت جمعية القوس للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني الدليل الصحفي لتغطية قضايا التعددية الجنسية والجندرية من إعداد عمر الخطيب، من الواجب القول أنه أفضل بكثير من سابقه، تم فيه تقسيم الكلمات إلى قسمين أيضا الأول “المصطلح المخطوء فيه” السلبي والقسم الثاني “البديل” الإيجابي، في القسم الأول هناك مصطلح “شذوذ” أما في الثاني “تعددية جنسية وجندرية أو مثلية جنسية”. يبدو أن هذه الثنائية قد ترسخت بالفعل في هذا العام بشكل كبير في خطاب الجمعيات من خلال هذه التقارير، مع ذلك يعود التقرير هذا بدوره لتذكيرنا بأنه “في أكثر من حالة يستخدم فيها مصطلحان أو مفهومان في المادة نفسها، أحدهما سلبي والآخر إيجابي، كذكر مصطلح شذوذ جنسي يليها بأسطر مصطلح مثلية جنسية” وهذا دليل آخر على أن هذه الثنائية لم تكن واضحة بعد في المادة الصحفية والإعلامية حتى عام 2017.

وفي 2018، أصدرت هيومان رايتس ووتش تقريرا عن عمل الجمعيات المثلية في المنطقة الناطقة بالعربية، تحت عنوان “الجرأة في وجه المخاطر”، جاء فيه على لسان أمير عاشور مؤسس ومدير جمعية iraqueer العراقية بأن جزء من انجازاتهم كان ارغام الإعلام على استبدال كلمة “الشواذ” بعبارة “مجتمع الميم” والتي تعني مجتمع المثليين والمثليات والمتحولين والمتحولات ومزدوجي ومزدوجات الميل الجنسي..  وكذلك قال أحد نشطاء جمعية أقليات المغربية “لم يعد الصحفيون والمواقع يتحدثون عن “الشذوذ الجنسي”، صاروا يقولون “مثليين” – هم يحترمون مجتمع الميم. لقد نشروا مقالات عن أنشطتنا”. على الرغم من ذلك، حتى هذا اليوم لا يبدو واضحا لماذا وقع الاختيار على “مثلية” كي تكون البديل، على الرغم من أن أول من استخدمها كان شخصا معاديا للمثلية، ومنتميا لجماعة إسلامية لم تكن متعاطفة مع ممارسي الجنس مع ذات الجنس في مجمل سيرتها.

ظهور خطاب معادي “للمثلية” الجديدة:

وفجأة تحول رجال السلطة والدين (المعادون للممارسات الجنسية بين أفراد من ذات الجنس) من استخدام كلمة “شذوذ” وفي حالات أقل “لواط” وأقل بكثير “سحاق” إلى استخدام كلمة “مثلية” في ذات الخطاب المطالب بقتل وإقصاء وتطهير المجتمع ولكن هذه المرة ليس من الشذوذ واللواط أو السحاق بل من المثلية.
سرعان ما تزامن مع انتشار الكلمة الجديدة ظهور خطاب معادي لها أيضا، حتى أن الناطق الرسمي باسم الحشد الشعبي وهو جزء من القوات المسلحة العراقية قال في فيديو له بداية عام 2020 أنه سيطرد “المثليين الوسخين” من العراق. وكذلك المخرج اللبناني شربل خليل لم يفته أن يتهم الثوار في لبنان في 2019 بأن هدف ثورتهم هو تقنين “المثلية الجنسية”، قائلا “مثليتكم الجنسية وشياطينكم ما رح تمرق”. وفي ذات السنة استخدم الناطق الرسمي باسم شرطة السلطة الفلسطينية مصطلح “المثليين الجنسيين” في بيانه المحرض ضد جمعية القوس والمندد بنشاطاتها في أراضي السلطة الفلسطينية. ووصل الأمر بوزير الداخلية الأردني غالب الزعبي، في كتاب رسمي له عام ٢٠١٧، بأن استخدم لفظ مجتمع الميم ليوضح أن الدولة الأردنية لن تعترف بالمثلية أبدا.

هكذا بقيت كلمة مثلية حبيسة كتاب قطب والأدبيات الأخرى بعيدة عن استخدام الناس ولا حتى “المثليين” أنفسهم منذ 1952، وبقي المصطلح المستخدم في الصحافة والإعلام الناطق بالعربية هو “الشذوذ الجنسي” طوال التسعينيات مع وجود ضغوط فردية قادمة من أشخاص مقيمين في الغرب من أصول عربية نحو استبداله ب”مثلية” قطب. لعبت “المثلية” دور القطب الإيجابي في ثنائية مع “الشذوذ”، وبدأت وسائل الإعلام ترضخ لهذا الضغط الذي تبنته الجمعيات المثلية المحلية منذ بداية الألفية الثالثة. كما بدأت تنقسم المنصات الإعلامية بين منصات تستخدم “شذوذ” ومنصات تستخدم “مثلية”. في النهاية، صار من يعادي “الشذوذ” يستخدم كلمة “مثلية” أيضا في خطابه المعادي “للمثليين”. فهل يجب أن نكون سعداء باستخدام من يحرض ضدنا مصطلح مثليين بدلا من شواذ؟

image_pdfimage_print
لمشاركة المقال على

ولد في بغداد عام 1992 وغادرها في 2012، حصل على درجة الماجستير في علم النفس من جامعة عمّان الأهلية عام 2016، صدر له يوم لم يكن لنا أب عام 2016، وكتاب الجنسانية اللامعيارية في السينما العربية عام 2018، وجنسانية أم كلثوم في 2019، والمثلية الجنسية في غزو العراق عام 2020، وكتب في منصات عدة حول سياسات الجنس والجسد.

انضموا الى الحديث