سياسات الجنس والجنسانية تحت إطار الاستعمار الاستيطاني

د.ة نوف ناصر الدين عالمة اجتماع نسوية حاصلة على درجة الدكتوراه (2011) من جامعة وارويك. تتمتع نوف بأكثر من خمسة عشر عامًا من الخبرة، والتي تتعدى الأوساط الأكاديمية ، حيث عملت أيضًا مع منظمات غير حكومية دولية ووطنية ومحلية مختلفة، عبر البلدان الناطقة باللغة العربية.

لا يمكننا تجنب نقاش سياسات الجنس ويتضمن ذلك تسييس الجنس والجندر (النوع الاجتماعي) تحت إطار الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، لأهميتها في صقل علاقات القوى حتى على المستويات الفردية. ولعل ما ألهمني لكتابة هذا المقال القصير بعض الأمثلة التي ترددت على أذني والتي تتعلق بتقاطع الخطابات الاستعمارية على العلاقات الفردية وخصوصاً الحميمية منها بين الأفراد الذين واللواتي يحتلون موقعيات مستعمِر ومستعمَر. ولتلك الأمثلة، التي سأذكرها في المقال، دلالات عن القوى الرمزية التي تمارس على المجتمعات الأصلية وأجسادها في إطار الاستعمار الاستيطاني. في ورقة بحثية قدمتها نور أبوعصب عام ٢٠١٤، استحضرت مثالاً عن امرأة من الكيان الصهيوني أحبت امرأة فلسطينية. وعندما أخبرت المستعمِرة أصدقاءها عن عشيقتها الفلسطينية، كانت ردة فعلهم: “هل تعطيها لها كما نعطيها لهم؟” أي “هل تنكحينها كما ننكحهم؟”ونستحضر في هذا المثال القوى الرمزية، إذ تم استخدام الجنس وكأنها وسيلة اخضاعية تعطى للفلسطينيين/ات في هذا الإطار، ومن ذات المثال نستنتج أيضاً دلالات الممارسات الجنسية الرمزية إذا ما حدثت بين المستعمِر والمستعمَر. وفي مثال آخر مرّ علي، عبرت لي امرأة فلسطينية عن تجربة ممارسة الجنس مع رجل من العرق الأبيض، فقالت: بعدما مارسنا الجنس، قام في الصباح وكلم صديقه عبر الهاتف، متفاخراً ومتباهياً ومشيراً برموز إلى الجنس الذي مارسناه، إذ قال: “لقد احتللت الضفة الغربية”. وتدلنا هذه الأمثلة أن ممارساتنا الحميمية والجنسية مرتبطة إلى حد كبير بعلاقات القوى الموجودة تحت إطارات الاستعمار الاستيطاني. ولا يمكننا فهم ممارساتنا الحميمية وفهم معانيها الرمزية التي تستمد شرعيتها من القمع والإخضاع الذين يتعرض لهما عادة الشعوب الأصلية.

تدعونا تلك الأمثلة إلى التفكر في الممارسات العنصرية المتعلقة بالجنسانية والنوع الاجتماعي، نظراً لأهميتها لفهم السياقات المحلية وتحديداً تلك الموجودة تحت إطار الاستعمار الاستيطاني. توضح لنا الأمثلة أثر سياسات الجنس وتسييسه علينا على المستوى الحميمي الفردي، وتضيء الضوء على إشكاليات الفصل بين النوع الاجتماعي والجنسانية. ويدفعنا ذلك إلى فهم سياسات الجنس والجنسانية من خلال منظور يأخذ العرق والعنصرية المبنية على العرق في عين الاعتبار، فلا يمكننا فهم الظواهر المتعلقة بالعرق دون فهم تقاطعاتها مع الجنسانية والنوع الاجتماعي.

وتوضح الأمثلة علاقة سياسات الجنس بالنوع الاجتماعي، ففي الأمثلة أعلاه تم التقليل من شأن وتشييء الفلسطينيات النساء تحديداً لارتباط خطاب الممارسات الجنسية القمعية بفعل “النكاح” أو “الإيلاج”، والذي يعتبر متلقي/ة الفعل أو المفعول به أو بها أقل قيمة بحسب هرميات القوى، ويرتبط الإيلاج في مخيلة ثقافات متعددة بالقمع والإخضاع. وفي إطار الاستعمار الاستيطاني يتضاعف ذلك الإخضاع وعادةً ما يكون أو تكون المفعول به أو بها إما امرأة أو شخصاً غير معياري في الممارسات الجنسية والآداء الجندري (نوف ناصر الدين ونور ابو عصب وايدن جريتريك، ٢٠١٨).

وفي الأمثلة السابقة لا يمكننا فصل تلك التفاعلات عن العنصرية المبنية على العرق، فكذلك يكون المستهدف من عرقٍ متعرِض للقمع والاخضاع على مستوى الحكومات والمجتمعات والأفراد. فكما يقول بينارد (٢٠١٦:٢)، يعتبر كل من العرق والنوع الاجتماعي “مفهوما مبنيّا اجتماعياً لا يمكننا فصل أحدهما عن الآخر”. وبالإضافة إلى ذلك، “تتم إعادة انتاج الاستعمار، ويتمدد ويلقى الضوء عليه من خلال القوى المبنية على النوع الاجتماعي والجنس” (مورجينسن، ٢٠١٢). ولا يمكننا حصر القمع والإخضاع في منظومة الدولة وحسب وإنما على مستوى العلاقات الفردية الجنسية والحميمية.

في إطار الاستعمار الاستيطاني، يتقاطع كل من الاستعمار والأبوية-المبنية على الغيرية الجنسية، وفي تقاطعهما ينتجان علاقات قوى جنسية وجندرية بين المستعمِر والمستَعمَر، ويمكن لعلاقات القوى تلك خلق ممارسات إخضاع وقمع. ومن الممارسات القمعية التي تمارس على الشعوب الأصلية في إطار الاستيطان ما يتعلق بمنع العدالة الإنجابية وحقوق الزواج والتقييد بمنظومة الزواج والأدوار الاجتماعية والجنسانية والعلاقات الجنسية. وتستخدم حكومات الاستعمار الاستيطاني عادة أساليب إخضاعية منها ابتزاز الأشخاص ذوي وذوات الممارسات الجنسية والهويات الجندرية اللامعيارية. وتتجلى هذه الممارسات العنصرية والتمييزية المبنية على العرق والنوع الاجتماعي والجنسانية لا في حكومات الاستعمار وحسب، وإنما تمتد إلى الأفراد المستعمرين والمستعمرات غير المنتميين/ات لمنظومات حكومية كما توضح لنا الأمثلة. فعادة ما يتم تشييء أجساد المستعمَرين والمستعمرات واعتبارها غريبة، وتحت ظل ذلك الاعتبار يفتح باب استخدام الممارسات الجنسية بين المستعمِر والمستعمَر بهدف الهيمنة على وإخضاع الأجساد الأخيرة.

بكلمات أخرى، لا يمكننا الفصل بين الممارسات العنصرية المبنية على العرق وتلك المبنية على النوع الاجتماعي والجنسانية التي تمارسها دول الاستعمار الاستيطاني ضد الشعوب الأصلية، ومن بينها تلك المبنية على علاقات القوى في إطارات أكثر حميمية. إذ نشهد، في تلك الممارسات سواء كانت على مستوى الدول أو بين الأفراد أو على مستوى العلاقات الحميمية، إعادة انتاج للعنف ولهيكليات القوى التي تجعل حتى من أجساد المجتمعات الأصلية ملكية للمستعمِر. وبالتالي تصبح الأجساد على مفترق طرق، إذ أنها تصبح محملة برموز للقوى تدعمها هيكليات القمع الموجودة على المستوى المادي. ولا تقوم ممارسات القوى المبنية على الجنسانية والنوع الاجتماعي على مفاهيم مادية وحسب، وإنما تعتبر محملة بالرموز وقوى رمزية تستمد قوتها من هيكليات القمع التي تستخدم أجساد الشعوب الأصلية وتخضعها وتقمعها.

المراجع

Abu-Assab, N. 2014. ‘Colouring’ Queer Theory. Tangentially Queer Workshop: London School of Economics. May 2014.

Benard, A. A. F. 2016. Colonizing Black Female Bodies Within Patriarchal Capitalism: Feminist and Human Rights Perspectives. Sexualization, Media, & Society. 1-11.

Morgensen, S. L. 2012. Theorising Gender, Sexuality and Settler Colonialism: An Introduction. Settler Colonial Studies. 2:2, 2-22

Nasser-Eddin, N., Abu-Assab, N. and Greatrick, A. (2018) “Reconceptualising and Contextualising Sexual Rights in the MENA Region: Beyond LGBTQI Categories” Gender and Development 26 (1): 173-189.

لمشاركة المقال على
انضموا الى الحديث