التضامن الضحل وسياسات الأمر الواقع

د.ة نور أبو عصب عالمة اجتماع نسوية حاصلة على درجة الدكتوراه (2012) من جامعة وارويك. نور أكاديمية ومهنية متعددة التخصصات، تتمتع بخبرة تزيد عن خمسة عشر عامًا في العمل على القضايا المتعلقة بالعدالة الاجتماعية في الجنوب العالمي.

مقدمة مساحة

نقدم لكن في مساحة- معرفة نسوية متاحة- مقالاً تم رفض نشره على عدد من المنصات لأسباب مختلفة ومنها أنه “غاضب”، “غير موضوعي”، و “قاسي اللهجة” أو لأن موضوع النشر ليس من الأولويات في الوقت الحالي. ولذلك نرحب في مساحة بالمقالات التي ترتكز بالأساس على التذويت والتجربة الشخصية ولا تخفف من وطأة الغضب، إذ أن الغضب رد فعلٍ شرعي، ولا نتمسّك بالتصنيفات “الموضوعية” التي من الممكن أن تهمّش الأصوات التي لا تحظى ب”الشعبية الاجتماعية” ولا تملك منالية تخطي عقبات المنصات الإعلامية. هذا المقال هو رد على مقال تم نشره على موقع مدى مصر، اعتبر العديد من الفلسطينيين والفلسطينيات الخطاب الذي ينصب فيه مسيئاً في إطار موجات التطبيع العلني التي تمر بها المنطقة في الوقت الحالي. بالإضافة إلى ذلك، نرى في رفض المقال مؤشراً خطيراً لتسكيت أصوات الفلسطينيين والفلسطينيات وإعطاء شرعية وحصانة لغير الفلسطينيين والفلسطينيات للتنظير على القضية الفلسطينية.


عندما قرأت أول جملة من مقال سحر مندور المنشور يوم ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٠ على مدى مصر تحت عنوان “لا بريق تراجيدي على وجوه رافضي التطبيع” تشككت في فهمي للنبرة التنظيرية والفوقية على كل من عبروا وعبرّن عن غضب أو قلق نحو التطبيع العلني مع العدو الصهيوني الذي أقدم عليه عدد من الدول الناطقة باللغة العربية. قرأت تلك الجملة عدة مرات، وبعدما أكملت قراءة النص كاملاً أصابني غثيان مصاحب بصداع غضب عارم: حتى التضامن بالإحساس استكثرتموه على فلسطين؟ لم يقلقني النص وحسب، وإنما أقلقتني الحصانة التي استخدمتها الكاتبة لتخول لنفسها التنظير عن فلسطين- إذ يأتي تأنيب من أزعجتهم حركات التطبيع العلنية من: “موقعٍ فيّ شديد الحبّ لفلسطين”.  تذكرني هذه العبارة في: أنا لست عنصرية فلدي أصدقاء من السود، أو أنا أضربك لأنني أحبك. لكيلا نغضب لعل علينا قراءة المقال من وجهة نظر: ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب.

لا يكفيني التعبير عن الحب ل “فلسطين”، فقد أصبح ذلك بالنسبة لي تضامناً ضحلاً يميع القضية الفلسطينية ولا يخدمها، ولا أرغب في هذا المقال تخوين الكاتبة واتهامها بأن نصها كله دعوة للتطبيع، وإنما سأفترض أنها ضحية للاستقطاب السياسي الذي تعرضت له المنطقة بأكملها تاريخياً فيما يخص قضية فلسطين، ولذلك أعرض في هذا المقال بعض إشكاليات الحجج التي تقدمها الكاتبة فيه، لتكون هذه عملية حوارية بناءة، لا تنظيرية هدامة. فنعم، أصبحنا نعلم أن قضيتنا فاق عمرها السبعين عاماً، ونعلم نحن الفلسطينيين والفلسطينيات أن الأنظمة العربية استخدمت قضيتنا واسمنا لتلميع صورتها على حساب قمع شعوبها، وبتنا نعرف كذلك أنه في العديد من الإطارات في المنطقة يتساءل الكُثر ويهتمون كثيراً بالجيل الثالث والرابع من المستعمر الصهيوني قبل حتى التفكير في الطرف المظلوم من الفلسطينيين والفلسطينيات والتي تفتت أشلاؤهم لا بسبب المستعمر وحسب وإنما بسبب تلك الأنظمة المتواطئة القائمة على حساب فلسطين وعلى حساب شعوبها. ولكن من المُخيف والذي يزيد عزلتنا كفلسطينيين وفلسطينيات البدء بتشريع توبيخ من يشعر بالاشمئزاز من موجات التطبيع العلني وتوبيخ من يرفض التطبيع. على الأقل، كنا نعرف نحن الفلسطينيون ألّا رجاء من الأنظمة الموجودة ولكن كنا نعلم أن هنالك بصيصٌ من التضامن على الأقل على مستوى الشعوب والأفراد.

اعتبرت الكاتبة أن الحزن الذي يشعر به الأفراد تجاه فلسطين ما هو إلا نتاج لتغذية “خطابات التحرير والعودة”، معتبرةً الشعوب أوعية فارغة لا تشعر بالظلم ولا يمكنها التعبير عن تضامن حقيقي لوعيها أننا جميعاً في المنطقة وفي عالم الجنوب عامةً نقع تحت سيطرة من يمتلك السلاح والمال. تكتب الكاتبة وكأن أي تعبير عن الغضب على الواقع الحالي ما هو إلا نتيجةً شحن وتصويرات خيالية لفلسطين لا تمت للواقع بصلة. وكذلك تعزل الجمهور الفلسطيني عن باقي المنطقة، أو ليس بمقدور الجمهور الفلسطيني وصف الواقع الذي يعيشه وإيصاله للعالم؟ وخصوصاً أن الحدود المعرفية أمست وهماً في ظل التطور التكنولوجي وسرعة تناقل الأخبار والقدرة على التواصل مع أفراد عبر القارات؟ أرفض أن أعتبر فلسطين في مخيلة نابذة التطبيع وهماً. فواقع الأفراد هو الواقع الذي يرونه ويلمسونه ويشعرون فيه. إذا كنا سنتكلم عن الأوهام الموجودة في هذه الحقبة الزمنية علينا توجيه المنظار إلى تفتيت حدود الدول التي بيننا، فتلك هي الأوهام. إن الواقعية التي تدعو لها الكاتبة في مقالها، هي واقعية أنظمة القمع التي علينا مجابهتها، لا الاستسلام لها والسماح لها بالبقاء على وضعها الحالي. لا يعني وجود أمرٍ واقعٍ تقبله، فعلى هذا القياس علينا أن نرضى بالديكتاتوريات في المنطقة على أنها واقع، والفقر على أنه واقع، والعنف على أنه واقع، والظلم على أنه واقع؟

قد يصعب كما قالت الكاتبة “الاتصال بفلسطين اليوم، وبواقع الاحتلال وماهيته، معًا”، من منطلق الحدود الوهمية الموجودة بيننا، لا بسبب رفض التطبيع، وهنالك فارق كبير ما بين الرغبة بالتكلم مع صديقة في عكا، والرغبة في معانقة مستوطن فيما يخص علاقات القوى والهرميات المتراتبة بينهما. فتلك الصعوبة في التواصل الذي تدعي وجوده الكاتبة بينها وبين صديقتها في عكا مبالغ فيها، فعلى الرغم من العقبات الموجودة في وجه التواصل الفيزيائي المباشر، إلا أن الفلسطينيين والفلسطينيات قادرون وقادرات على التواصل مع العالم، من خلال أدوات متاحة مختلفة، فلقد قللت وسائل التواصل الاجتماعي من حدود التواصل بيننا. وأنا في فلسطين، حبيباتي من أنحاء الدول الناطقة بالعربية يزرنها معي، في لبنان وفي مصر وفي تونس وفي السودان وفي سوريا والأردن وفي العراق وفي المهجر وغيرها، عبر الصور والفيديوهات والمكالمات، التي من الصعب الحد منها فكلها تتم في يومنا الحالي عبر الانترنت من خلال وسائل على وشك أن تكون متاحة للجميع. أما التواصل مع واقع الاحتلال وماهيتيه ألا يمكن أن يتم من خلال فهم واقع الفلسطينيين والفلسطينيات من أعينهم؟ أم علينا الاعتراف بالمُحتل ليصبح هو نقطة فهمنا للواقع، لا من خلال سماعنا من الفلسطينيين؟ من المهم أن نعترف هنا بأنه لا يوجد للفلسطينيين والفلسطينيات رأي واحد أو موحد حول الحل، ولكن ذلك نقاش داخلي فلسطيني لا يمكن مقارنته مع الاعتراف بدولة الاحتلال والدعوة للتقرب منها، فاللاحق يلغي أي أمل لحق العودة لملايين اللاجئين واللاجئات اللذين واللواتي تكاد تلفظهم من على وجه الأرض الأنظمة القامعة ذاتها سواء كانت تدعو للمقاومة أو للتطبيع أو للمقاطعة. لا ليس الشارع الناطق باللغة العربية والمناهض للتطبيع بعيداً عن الواقع، فهو قريب كل القرب لواقع مطالب المظلومين والمظلومات لا واقع سلطات أمر الواقع. مضحكٌ كيف وفي غالب الأماكن تعتبر وجهة نظر المظلوم “عاطفية” ويتم التشكيك فيها، تشبه تلك الممارسة في منهجيتها ظاهرة التشكيك في الناجيات من التحرش والاستغلال. وكذلك يذهلني دائماً أنه كثر ما يحدث هذا التشكيك في إطار المدح في الجاني أو المُدعى عليه، مثل التغني في منافسته ل”العالم في مجالاته الحديثة”.

استغرب كذلك من فكرة كون الشعور بفلسطين أقوى بالغرب، بل استهجنها كذلك. أين نشعر بفلسطين في الغرب؟ آمل أن تكون قد قصدت الكاتبة الشعور بفلسطين من خلال التعرف على المجتمعات الأصلية المقموعة في القارات الأمريكية كافة. فغير ذلك، وبعد عشرين عاماً من الغربة عن فلسطين في أوروبا، يمكنني أن أقول إن هذا هراء. أين شعرت بفلسطين؟ من خلال العنصرية والتمييز الذي يتعرض له الفلسطينيون والفلسطينيات على كافة الأصعدة إذا ما تكلموا عن فلسطين؟ أم من خلال التهميش الممنهج للأصوات الفلسطينية على كافة المستويات؟ أم من خلال رسائل التهديد بالقتل والفصل التي تصل لأكاديميين وأكاديميات من فلسطين؟ أم من خلال الخوف عن اعلان موقفك من فلسطين لكيلا يتم تهميشك من إطارات عمل؟ أين لنا أن نشعر بفلسطين في الغرب. أشعر بفلسطين كفلسطينية كلما وطئت قدماي أراضي دول مجاورة أكثر مما شعرت بفلسطين على أراضي فلسطين التي ترعرعت فيها وسأعود إليها في العام القادم. شعرت بفلسطين بالتأهيل والترحيب من أفراد في شتى أنحاء الدول المجاورة، وشعرت بفلسطين في رائحة أراضيها، في أكلها ومشربها. شعرت بفلسطين في منتصف بيروت عندما ركبت فان رقم ٤ من شارع الحمرا لأصل بدارو. شعرت بفلسطين عندما اشتريت زعتر فلسطيني من مخيم الوحدات في الأردن. شعرت بفلسطين عندما سمعت قصصاً عن سوريا ودمشق وزرتها مراراً عبر مخيلة السوريين والسوريات. شعرت بفلسطين في الساحل التونسي وفي جنوب افريقيا وعندما قابلت أخاً من السكان الأصليين في أمريكا. كما أشعر بفلسطين أيضاً من خلال العلاقات والحميميات والتضامنات العفوية التي يعبر عنها الأفراد من دول الجوار ومن دول الجنوب العالمي عامة، أكثر مما أشعر بفلسطين على أراضيها. لماذا استكثرتم ذلك التضامن؟

ختاماً، إن ادعاء أن استمرارية إسرائيل هو نتيجة عقود من المقاومة إشكالي للغاية، فتلك الاستمرارية ما هي إلا نتيجة تواطئ المنظومات الحاكمة في كل مكان ونتيجة مدحها وتخليد أمجادها وتهميش صوت الفلسطينيين والفلسطينيات قصداً أو عن غير قصد من خلال التنظير المبتذل على فلسطين تحت غطاء “حب فلسطين”. في مقالي هذا دعوة للتفكر بأسباب استمرارية القضية الفلسطينية دون مركزة العدو المحتل، فإذا كان كل من حولنا من أنظمة متواطئ ما الذي يجعلنا مستمرين ومستمرات في الوجود على أرض فلسطين وفي الشتات حولكم؟

لمشاركة المقال على
انضموا الى الحديث